جلال الدين السيوطي

51

معترك الاقران في اعجاز القرآن

( فَاطَّهَّرُوا ) « 1 » : هذا أمر بالغسل لمن وجب عليه ؛ وفيه إجمال ، بخلاف الوضوء ، فإنما فصّله لأنه من خصائص هذه الأمة ، ولم يكونوا يعرفونه ، بخلاف الغسل ، فإنما علموه مما تقدم . وبهذا أمر اللّه الأمم المتقدمة ، وسرّه ليذوق الإنسان وبال ما أصابه من اللذة في الوقاع ، وأن الدنيا لا تخلو من كدر ، وفيه معنى النظافة ؛ ولهذا لا ينبغي للانسان أن تمرّ عليه جمعة إلا ويغتسل فيها مرة ، مع أنه يكفّر السيئات ، ويرفع الدرجات ؛ وقد صحّ أنه يكفّر بعدد شعر جسده من السيئات . فإن قلت : ما معنى الحديث : هذا وضوئى ووضوء الأنبياء قبلي لمّا غسل الأعضاء ثلاثا ؟ مع قولكم : إنه من خصائص هذه الأمة ؟ والجواب أنه كان من خصوصية الأنبياء لا أممهم ، لما قدمناه من أنّ اللّه أراد بذلك تطهيرهم ؛ ولهذا تقول الأنبياء والأمم يوم القيامة : كادت هذه الأمة أن تكون كلّها أنبياء ؛ فما أشرفها من أمة نبىّ كريم ! ( فَأَغْرَيْنا ) « 2 » ؛ أي أثبتنا وألصقنا ، وهو مأخوذ من « 3 » الغراء . ( فَتْرَةٍ ) « 4 » : سكون وانقطاع ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم بعث بعد انقطاع الرسل ؛ لأنها كانت متواترة ، كلّما جاء أمة رسولها عذّبوه إلى وقت رفع عيسى ، فانقطعت الرسل إكراما لهذا النبي الكريم . ( فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ) « 5 » : ردّ عليهم ؛ لأنهم قد اعترفوا [ 226 ا ] أنهم أبناء اللّه وأحبّاؤه ، فردّ اللّه عليهم أنه يعذبهم وينتقم منهم ، والأب

--> ( 1 ) المائدة : 6 ( 2 ) المائدة : 14 ( 3 ) وهو ما يلصق الشيء بالشئ ، كالصمغ وغيره ( القرطبي : 6 - 117 ) . ( 4 ) المائدة : 19 ( 5 ) المائدة : 18